اسماعيل بن محمد القونوي
29
حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد
قوله : ( من حيث إنها ) أي هذه الآية وهي قوله تعالى : هُوَ الَّذِي [ البقرة : 29 ] الآية ( في تصوير الروح بالعلم وتربيته ) هذا التصوير معنوي والمراد تربيتها وإنماؤها بالعلم شبه ذلك الإنماء والتربية بتصوير الجسد في أن كلا منهما يبقى ببقائه ويفنى بفنائه لكن في المشبه به حسي وفي المشبه عقلي لأن العلم به كمال الروح وسعادتها وبانتفائه شقاوتها فالأول حياة والثاني هلاك كما أن الجسد يبقى ببقاء تسويته وصورته ويفنى بانتفائه وترك العطف فيها للتباين بين التصويرين وللتفاوت بين المسلكين ( وما قبلها في تصوير الجسد وتسويته ) . قوله : ( أو أنها جواب عن تشبث النصارى بنحو قوله تعالى : وَكَلِمَتُهُ أَلْقاها إِلى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ [ النساء : 171 ] ) هذا بناء على تأخر نزول هذه الآية عن قوله : وَكَلِمَتُهُ أَلْقاها [ النساء : 171 ] الآية واطلاع النصارى ورهبانهم « 1 » على ذلك وكل منهما لا يخلو عن كدر ومن هذا أخره . قوله : ( كما أنه ) أي كما أن ما قبلها ( جواب قولهم لا أب له غير اللّه فتعين أن يكون هو أبا له ) فهذه الآية وما قبلها رد على النصارى فبهذه المناسبة ذكرت عقيبها ووجه الفصل ما ذكر آنفا قوله وأجيب مستغنى عنه بقوله كما أنه جواب الخ . إلا أن يقال ذكره لقوله ( بأنه مصور الأجنة كيف يشاء فيصور من نطفة أب ومن غيرها ) فإنه متعلق بالجواب ولبعده عنه ذكر أجيب والأجنة جمع جنين وهو الولد في الأرحام قد سبق من المص أنه قيل هذا حجاج على من زعم أن عيسى ربا الخ . وهنا ذكر أنه جواب عن قولهم لا أب له غير اللّه الخ . أي أن هذه الآية رد عليهم في قولهم إنه ابن اللّه لأنه لا أب له بأن هذا يقدر عليه تعالى فيقدر على التصوير من غير نطفة أصلا أو من غير نطفة أب ( وبأنه صوره في الرحم والمصور لا يكون أب المصور ) إلا أن يقال إن المراد بالرب هذا المعنى أو هذا قول بعض قبلها في تصوير الجسد البشري في الأرحام بصور مخصوصة مختلفة مخصوصة بالهيكل البشري ففي الآيتين ترقية من الأدنى إلى الأعلى . قوله : أو أنها جواب الخ أي أو أن هذه الآية جواب عن تثبت النصارى بنحو قوله : وَكَلِمَتُهُ أَلْقاها إِلى مَرْيَمَ [ النساء : 171 ] المراد بالكلمة العلم والحكمة والنصارى يقولون أقنوم العلم انتقل إلى بدن عيسى علم اللّه ألقاه إلى مريم ولما كانت هذه الآية منبئة عن العلم المناسب لعيسى ناسب أن يكون جوابا عن تشبثهم كما أن تلك الآية جواب عن قولهم لا أب لعيسى غير اللّه بين رحمه اللّه وجه كون تلك الآية جوابا لقولهم عيسى لا أب له غير اللّه ولم يبين وجه كون هذه الآية جوابا عن تشبثهم بنحو قوله : وَكَلِمَتُهُ أَلْقاها إِلى مَرْيَمَ [ النساء : 171 ] لنوع خفاء فيه فإن كونها جوابا عن تشبثهم بذلك أسهل تناولا من ذلك فإنه سبحانه قد نسب اتباع ما تشابه من القرآن إلى ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله إلى الزيغ والبطلان فدل هذا على أن التأويل الذي ذكره النصارى في تفسير : وَكَلِمَتُهُ أَلْقاها إِلى مَرْيَمَ [ النساء : 171 ] زيغ وبطلان .
--> ( 1 ) فيه إشارة إلى أن المراد بالنصارى رهبانهم .